هـاري هوديني (1874-1926(
Harry Houdini
اسمه الأصلي إريك فايز. ساحر استعراضي أمريكي يهودي وُلد في الولايات المتحدة لعائلة يهودية من رجال الدين من أصل مجريّ. التحق في سن مبكرة بالسيرك لتقديم الاستعراضات البهلوانية، ثم انتقل مع عائلته إلى نيويورك حيث بدأ في تقديم الاستعراضات السحرية واتخذ اسم هاري هوديني. وتميَّزت استعراضاته بالإبهار وبالحيل السحرية الفذة وتَخصَّص في عملية الهرب من السلاسل أو الحبال والأماكن المُحكَمة الإغلاق. وقد أصبح هوديني من أكثر مقدمي الاستعراضات شهرة في عصره وأعلاهم أجراً، وقدَّم عروضه في العديد من الدول وأصبح يُشار إليه بلقب «أعظم ساحر في العالم»، كما ساهم في تأسيس نادي السحرة في لندن وفي تأسيس جمعية السحرة الأمريكيين.
وقد اعتمد هوديني في تقديم عروضه على درايته بعلم الميكانيكا وعلى المؤثرات البارعة وعلى اللياقة البدنية الفائقة. كما اهتم بفضح الدجالين والمشعوذين وتحذير الجمهور ممن يدَّعون امتلاك قدرات خارقة للطبيعة أو اتصالهم بالأرواح. وقد ألَّف كتابين في هذا الشأن: تجار المعجزات وأساليبهم (1920)، و ساحر بين الأرواح (1924).
ومن الصعب بمكان محاولة تفسير مقدرات هوديني بناءً على انتمائه اليهودي. والتفوق في مجال الرياضة التي تعتمد على القوة العضلية هو إحدى الطرق المفتوحة والسهلة التي يمكن لعضو الأقلية إثبات تَفوُّقه من خلالها، وهو أمر ليس مقصوراً على أعضاء الجماعات اليهودية وحدهم. فمجال الملاكمة في الولايات المتحدة شهد في بداية الأمر تفوق الملاكمين من أصل إيطالي ثم الملاكمين من أصل أفريقي (وأشهرهم محمد علي كلاي). وانتصار عضو الأقلية في حلبة المصارعة على ممثل الأغلبية يرفع معنويات أعضاء الأقلية بدرجة ملحوظة.
ألبـرت أينشـتاين (1879-1955)
Albert Einstein
عالم طبيعة، ومكتشف نظرية النسبية وحائز على جائزة نوبل. وُلد في ألمانيا ونشأ وتَعلَّم فيها، وعمل بعد تَخرُّجه في مكتب براءات الاختراع بمدينة برن في سويسرا وأصبح مواطناً سويسرياً. تَمكَّن أثناء هذه الفترة من إنجاز عدة أبحاث. وفي عام 1905، نشر دراسات عن: النظرية الخاصة بالنسبية وعلم البصريات، وعُيِّن أستاذاً على أثر ذلك في عدة جامعات بألمانيا. وفي عام 1920، نشر دراسته عن: النسبية العامة والنسبية الخاصة، حيث بيَّن أن مبدأ النسبية ينطبق على الحركة وشرح فكرة البُعد الرابع وانثناء الفـراغ.
ويُعَدُّ ألبرت أينشتاين أحد رواد الفيزياء الحديثة، فهو صاحب نظرية النسبية الخاصة التي نجحت في التوصل إلى أساس لعلاج التناقضات بين نظرية نيوتن للحركة ونظرية ماكسويل للحركة الكهرومغناطيسية. وكان من أهم نتائج النسبية الخاصة مفهوم تَداخُل الزمان والمكان وتَرادُف الطاقة والكتلة. وقد تبع ذلك بالنظرية النسبية العامة التي تُعتبَر تعميماً للنسبية الخاصة حيث تتضمن حركة الأجسام تحت تأثير الجاذبية. وبالإضافة إلى نظرية النسبية، ساهم أينشتاين في تطوير النظرية الكمِّية من خلال تفسير التأثير الكهروضوئي. وترتكز النظرية الكمية على مبدأ ازدواجية المادة، وهو أن الجسيم يأخذ أحياناً شكل الموجة وأن الموجة تأخذ أحياناً شكل الجسيم.
وبعد أن فرغ من صياغة النظرية النسبية العامة، انشغل أينشتاين في مسألتين: المسألة الأولى تفنيد مبدأ اللايقين الذي يفترض استحالة دقة قياس نقطة ما وسرعة جسيم في آن واحد من حيث المبدأ (لا من حيث قصور آلات القياس)، أو بصياغة أخرى: مبدأ استحالة فصل التجربة عن المجرب. والمسألة الثانية هي وضع نظرية عامة واحدة تفسِّر أنواع القوى (التفاعلات) الأولية كافة، ولكنه لم يكن موفقاً في محاولاته هذه.
وفي عام 1933، اضطر أينشتاين إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة بعد أن استولى هتلر على السلطة. وأصبح أينشتاين مواطناً أمريكياً، واستمر في بحوثه العلمية. ولكنه كان قد بدأ يدرك أن العلم أصبح مثل حدِّ موسي في يد طفل في الثالثة من عمره، إذ أدَّى امتلاك وسائل الإنتاج العجيبة في تَصوُّره، إلى تزايد القلق والجوع بدلاً من الحرية.
وقد لعب أينشتاين دوراً مهماً في تطوير القنبلة الذرية أثناء الحرب، ولكنه عارض استخدامها بل وطالب بتحريم القنابل الذرية والهيدروجينية. وأثناء الحقبة المكارثية (الإرهابية) طالب أينشتاين العلماء بألا يدلوا بشهادتهم أمام لجان التحقيق. وقد استمر أينشتاين في أبحاثه العلمية حتى وفاته.
وموقف أينشتاين من الإله والدين يستحق بعض التأمل، وهو موقف يشبه موقف كثير من المفكرين العلمانيين الذين فقدوا الإيمان الديني، ولنبدأ بموقفه من الإنسان. لقد أدرك أينشتاين أن الإنسان كيان غريب مليء بالأسرار، فقد صرح ذات مرة أن « قانون الجاذبية غير مسئول عن الحب »، أي أن القانون الطبيعي لا يُفسِّر الوجود الإنساني، ولكنه اتجه في بعض تصريحاته إلى ما يمكن تسميته «الديانة الإنسانية» فعبَّر عن إعجابه بمقدرة الإنسان على فهم ما حوله، ورأى أن هذه المقدرة شكل من أشكال التفوق اللانهائي على الطبيعة، ومن هنا فإن الإنسان يقع عليه عبء أخلاقي، ولكن مسئوليته الأخلاقية تكون تجاه نفسه وليس تجاه أي إله.
بيد أن هذه ليست نهاية القصة، إذ يستمر تأرجحه دون تَوقُّف فيصرح بأن الإله لا يلعب بالعالم، أي أن العالم يتبع نظاماً واضحاً يتجلى من خلال الإرادة الإلهية. ولكن هذا الإله يشبه من بعض النواحي إله إسبينوزا. فهو ليس إلهاً ذا إرادة يحب البشر ويعطف عليهم، يُثيب الناس ويعاقبهم، وإنما هو مبدأ آلي عام. ولكن العَالم الكبير، صاحب نظرية النسبية، يجد أن هذا الموقف لا يُعبِّر عن الحقيقة كلها، ويؤكد أن العلم الحديث ألقى بظلال من الشك على السببية الآلية التي تشكل إطار الرؤية الإسبينوزية الساذجة.
ولم يكن موقف أينشتاين، في بداية حياته على الأقل، رافضاً للصهيونية. فقد نشأ وتعلَّم في ألمانيا. ولذا، فإننا نجد أنه كان يؤمن بفكرة الشعب العضوي، وبأن السمات القومية سمات بيولوجية تُوَّرث وليست سمات ثقافية مكتسبة. وقد صرح أينشتاين بأن اليهودي يظل يهودياً حتى لو تخلى عن دينه، وهذه مقولة أساسية في معاداة اليهود على أساس عرْقي. وليوضح فكرته، شبَّه أينشتاين مثل ذلك اليهودي بالحلزون الذي يظل حلزوناً حتى بعد أن يُسقط محارته. وموقفه من معاداة اليهود، في هذه المرحلة، لا يختلف كثيراً عن موقف الصهيوني، فقد كان يرى أن معاداة اليهود مسألة ستظل موجودة مادام هناك احتكاك بين اليهود والأغيار، بل وأضاف أن اليهود مدينون لأعدائهم بأنهم استمروا عرْقاً مستقلاًّ.
وقد أدلى أينشتاين بتصريح ذي مضمون صهيوني عرْقي، إذ صرح (قبل ظهور النازيين) بأنه ليس مواطناً ألمانياً، ولا حتى مواطناً ألمانياً من أتباع العقيدة اليهودية، وإنما يهودي ويسعده أن يظل يهودياً. وقد عبَّر أينشتاين في عدة مناسبات عن حماسه للمشروع الصهيوني وتأييده له، بل واشترك في عدة نشاطات صهيونية.
ولكن موقف أينشتاين هذا لم يكن نهائياً، وربما كان تعبيراً عن عدم نضج سياسي، إذ عَدَل عن هذه المواقف فيما بعد، فقد صرح بأن القومية مرض طفولي، وبأن الطبيعة الأصلية لليهودية تتعارض مع فكرة إنشاء دولة يهودية ذات حدود وجيش وسلطة دنيوية. وأعرب عن مخاوفه من الضرر الداخلي الذي ستتكبده اليهودية، إذا تم تنفيذ البرنامج الصهيوني، فقال: « إن اليهود الحاليين ليسوا هم اليهود الذين عاشوا في فترة الحشمونيين »، وفي هذا رَفْض للفكر الصهيوني ولفكرة التاريخ اليهودي الواحد. ثم أشار إلى أن «العودة إلى فكرة الأمة، بالمعنى السياسي لهذه الكلمة، هي تَحوُّل عن الرسالة الحقيقية للرسل والأنبياء ». ولهذا السبب، وفي العام نفسه، فسَّر انتماءاته الصهيونية وفقاً لأسس ثقافية، فصرح بأن قيمة الصهيونية بالنسبة إليه تكمن أساساً في « تأثيرها التعليمي والتوحيدي على اليهود في مختلف الدول ». وهذا تصريح ينطوي على الإيمان بضرورة الحفاظ على الجماعات اليهودية المنتشرة في أرجاء العالم وعلى تراثها، كما يشير إلى إمكانية التعايش بين اليهود وغير اليهود في كل أرجاء العالم. وفي عام 1946، مَثل أمام اللجنة الأنجلو أمريكية وأعرب عن عدم رضاه عن فكرة الدولة اليهودية، وأضاف قائلاً: « كنت ضد هذه الفكرة دائماً ». وهذه مُبالَغة من جانبه حيث إنه، كما أشرنا من قبل، أدلى بتصريحات تحمل معنى التأييد الكامل لفكرة القومية اليهودية على أساس عرْقي.
والشيء الذي أزعج أينشتاين وأقلقه أكثر من غيره هو مشكلة العرب. ففي رسالة بعث بها إلى وايزمان عام 1920، حذر أينشتاين من تجاهل المشكلة العربية، ونصح الصهاينة بأن يتجنبوا «الاعتماد بدرجة كبيرة على الإنجليز »، وأن يسعوا إلى التعاون مع العرب وإلى عَقْد مواثيق شرف معهم. وقد نبه أينشتاين إلى الخطر الكامن في الهجرة الصهيونية. ولم تتضاءل جهود أينشتاين أو اهتمامه بالعرب على مر السنين. ففي خطاب بتاريخ أبريل سنة 1948، أيَّد هو والحاخام ليو بايك موقف الحاخام يهودا ماجنيس الذي كان يروج فكرة إقامة دولة مشتركة (عربية ـ يهودية)، مضيفاً أنه كان يتحدث باسم المبادئ التي هي أهم إسهام قدَّمه الشعب اليهودي إلى البشرية. ومن المعروف أن أينشتاين رَفَض قبول منصب رئيس الدولة الصهيونية حينما عُرض عليه.
وإسهامات أينشتاين في علم الطبيعة لا يمكن تفسيرها إلا باعتباره جزءاً من المنظومة العلمية الغربية. وقد يكون ليهوديته دور في تَوجُّهه نحو النسبية، ولكن المنظومة العلمية الغربية ككل تظل العنصر المحدد النهائي، إذ كان قد طُرح داخلها بضعة أسئلة تتطلب الإجابة، الأمر الذي جعل الجو مُهيَّئاً لتَغيُّر النموذج.
مائيـر لانسـكي (1902 – 1983(
Meyer Lansky
مجرم أمريكي يهودي اسمه الأصلي مايير سوشو لانسكي. وُلد في بولندا وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة عام 1911. وقد بدأ حياته الإجرامية بسرقة السيارات ثم قام بتهريب الخمور والقتل بالأجر. ثم انتقل إلى ممارسة نشاطه في عالم القمار، وأصبح من كبار زعماء الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة. وقد كوَّن عصابة مع المجرم الأمريكي اليهودي بنجامين سيجل « بجزي » لحماية الملاهي الليلية نظير إتاوة منتظمة. وفي عام 1934، ساهم لانسكي في تأسيس الاتحاد القومي للجريمة الذي جمع في إطاره جميع العصابات وزعماء الإجرام في البلاد، وترأس مجلس إدارة هذا الاتحاد الذي عمل تحت قيادته على تحويل الجريمة في الولايات المتحدة إلى نشاط يتسم بقدر كبير من التنظيم والتنسيق والإدارة العلمية والترشيد، وأصبح يشرف على جملة من الأنشطة الإجرامية مثل القمار والدعارة والمخدرات والابتزاز والرشوة والفساد السياسي. وحينما حاولت السلطات الأمريكية القبض عليه بتهمة التَهرُّب الضريبي في عام 1970، تَمحَّك في أصله اليهودي وفرَّ إلى إسرائيل. ثم حاول الحصول على الجنسية بمقتضى قانون العودة، لكن طلبه رُفض. ومما يذكر، أن لانسكي كان من كبار المساهمين في المنظمات اليهودية، خصوصاً النداء اليهودي الموحَّد. وقد عاد إلى الولايات المتحدة عام 1972 حيث حوكم، ولكن تمت تبرئته من جميع التهم التي وُجِّهت إليه.
ولا يمكن اكتشاف أية خصوصية يهودية في عبقرية لانسكي الإجرامية. فبروزه وتَميُّزه مرتبط بتَضخُّم قطاع اللذة في المجتمع مع تَصاعُد معدلات العلمنة فيه وانتشار الدعارة والقمار والمخدرات. وقد ظهرت مؤخراً دراسة تذهب إلى أن لانسكي لم يلعب هذا الدور المحوري والمركزي في الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وترى هذه الدراسة أنه في حين أن لانسكي كان بالفعل مجرماً وزعيم عصابة ذات صلة وثيقة بأهم رموز الإجرام في الولايات المتحدة وأخطرها، إلا أنه لم يَظْهر أبداً أي دليل يُثبت أو يؤكد بشكل قاطع أن لانسكي كان العقل المدبر والمحرك الرئيسي وراء الجريمة المنظمة، وأن هذه الادعاءات ليست سوى جزء من الأسطورة التي نُسجت من حوله.
ليوبولد تريبر (1904-1982(
Leopold Trepper
عميل مخابرات سوفيتي سابق، ورئيس شبكة الجاسوسية التي عملت ضد ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية والتي عُرفت باسم «الأوركسترا الحمراء». وُلد في بولندا، وكان نشطاً في حركة الشبيبة الشيوعية البولندية، وسُجن عدة أشهر ثم انضم فيما بعد إلى المنظمة الصهيونية هاشومير هاتزعير، وذهب عام 1926 إلى فلسطين. وهناك، ارتبط بالحزب الشيوعي، واحتُجزَ عدة مرات بسبب نشاطه السري. ثم أصبح عضواً في الهستدروت، وترأس داخله جناح إيحود، أي الوحدة، والذي كان ينادي بوحدة الشيوعيين من اليهود والعرب. وبعد المؤتمر الأول لإيحود عام 1927، طُرد تريبر من فلسطين، فذهب إلى فرنسا ونشط هناك في القسم اليهودي للحزب الشيوعي الفرنسي. كما عمل أيضاً مع المخابرات السوفيتية، ولكنه اضطر مرة أخرى إلى الرحيل بعد أن كُشف النقاب في فرنسا عن شبكة تَجسُّس سوفيتية.
وانتقل تريبر إلى الاتحاد السوفيتي حيث درس في الجامعة الشيوعية للعمال الغربيين في موسكو، ويبدو أنه تلقى إلى جانب ذلك تدريباً في الأعمال الاستخباراتية. وفي عام 1938 أُرسل إلى فرنسا وبلجيكا حيث لعب دوراً مهماً وحيوياً لصالح المخابرات العسكرية السوفيتية، ونجح في تأسيس وقيادة شبكة جاسوسية واسعة النطاق كان لها عملاء في مواقع مهمة داخل الجهاز العسكري الأمني في برلين. وقد أطلق جهاز مكافحة الجاسوسية الألماني على هذه الشبكة اسم «الأوركسترا الحمراء». ويبدو أن تريبر نجح إلى حدٍّ كبير في نشاطه، فقد حذر موسكو عام 1941 من الهجوم الألماني الوشيك وتنبأ بالتاريخ المحدد له، إلا أن ستالين تَجاهَل هذه التحذيرات حيث اعتبرها نوعاً من الإثارة البريطانية.
وقد كان لشبكة التجسس دور حيوي في الإستراتيجية والتكتيكات السوفيتية خلال الحرب مع ألمانيا. إلا أن الألمان نجحوا في إلقاء القبض على تريبر عام1942 في باريس وحاولوا تجنيده ليعمل لصالح ألمانيا كعميل مزدوج. ويبدو أن تريبر تَظاهَر بقبول هذا العرض بناءً على أوامر سابقة لقيادته تَحسُّباً لمثل هذا الاحتمال واستطاع خلال سجنه تهريب تقرير مفصل حول ظروف اعتقاله ومدى الاختراق الألماني لشبكة التجسس. وقد نجح تريبر في الهروب بعد أقل من عام، وعاود مرة أخرى نشاطه الاستخباراتي. ولكن يبدو أن بعض الشكوك والشبهات قد أحاطت به، فعند عودته إلى موسكو عام 1945 تم إلقاء القبض عليه وسُجن لمدة عشرة أعوام تَعرَّض خلالها لعديد من الاستجوابات، وتم الإفراج عنه عام 1955 ورُد له اعتباره. وقد كرس تريبر مجهوداته بعد ذلك للشئون اليهودية. فقدَّم للقيادة السوفيتية خطة لإحياء المؤسسات والحياة الثقافية اليهودية في الاتحاد السوفيتي، إلا أن هذه الخطة رُفضت، فانتقل بعد ذلك إلى وارسو حيث ترأس، تحت اسم ليبا دومب، الجمعية الثقافية الاجتماعية اليهودية تحت رعاية الحكومة البولندية، كما ترأس دار النشر اليديشية التابعة لها. وفي عام 1968، قدم تريبر طلباً للهجرة إلى إسرائيل حيث كان بعض أفراد أسرته قد استقروا فيها، إلا أن السلطات البولندية رفضت طلبه. وقد أثارت الدوائر الصهيونية مسألة هجرته على المستوى العالمي، كما تم استغلال قضيته لإثارة الرأي العام العالمي ضد حكومة بولندا الاشتراكية وضد الاتحاد السوفيتي الذي كان يسود اعتقاد بأنه وراء موقف الحكومة البولندية. وفي تلك الآونة، قام عميل سابق للمخابرات الفرنسية هو جان روشيه باتهام تريبر على صفحات جريدة لوموند بأنه تعاون مع النازيين خلال الحرب، وبأنه خان رفاقه في المقاومة. ولكن تريبر أقام دعوى قذف ضد روشيه واستطاع أن يكسبها.
وقد سمحت السلطات البولندية لتريبر في آخر الأمر، بالرحيل إلى إنجلترا لأسباب صحية، وفي عام 1974 استقر في إسرائيل. وفي عام 1975 نشر مذكراته بعنوان اللعبة الكبيرة والتي حاول فيها تأكيد دور شبكة «الأوركسترا الحمراء» في محاربة النازيين والدور البارز الذي لعبه اليهود في ذلك. وتُوفي تريبر عام 1982 ودُفن في القدس.
وحيــاة تريبر المثيرة لا تختلف كثيراً عن حياة أمثاله من الجواسيس. أما هجرته لإسرائيل فهي لا تختلف عن هجرة المجرم لانسكي في دوافعها ولا علاقة لها بانتمائه اليهودي.
آرثــر كوســـتلر (1905-1983(
Arthur Koestler
كاتب يهودي وُلد في المجر وتَعلَّم في النمسا وألمانيا. وغيَّر لغته من المجرية إلى الألمانية في سن السابعة عشرة، ثم من الألمانية إلى الإنجليزية في سن الخامسـة والثلاثين. وقد كان شيوعياً في الثلاثينيات، ولكنه رفض بعد ذلك المبادئ الشيوعية، ووصف تجربته (هو وآخرين) في كتاب الإله الذي هوى. وقد عبَّر كوستلر عن اشمئزازه من العصر الحديث في قصته الشهيرة الظلمة في وقت الظهيرة. وأظهر كوستلر أيضاً اهتماماً بالموضوعات اليهودية، خصوصاً أنه عمل مراسلاً في فلسطين لإحدى الجرائد الألمانية. وقصته اللصوص في الليل تصف الصراع بين العرب والمستوطنين الصهاينة. وقد لاحَظ كوستلر في هذه الرواية الخليط العجيب من التصوف والاشتراكية الذي يُميِّز العقل الصهيوني. ولكن الرواية، مع هذا، تبدي تعاطفاً مع المستوطنين. وقد كتب كوستلر أثناء حرب عام 1948 كتاب الوعد والإنجاز: فلسطين 1917-1949 يصف فيه فلسطين أثناء الانتداب وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، ويُعلن أن يهود العالم أمامهم اختياران لا ثالث لهما: الهجرة إلى إسرائيل أو الانتماء الكامل إلى أوطانهم والولاء لها. وقد اختار هو نفسه البديل الثاني. وكوستلر له مؤلفات قصصية وفلسفية أخرى مثل: الشبح في الآلة، و نفاية الأرض، و اللوتس والقوميسار، و السائرون نياماً، و اللوتس والإنسان الآلي.
وفي آخر سني حياته، انضم كوستلر إلى جمعية تُطلق على نفسها اسم «جمعية من أجل موت كريم» تدعو إلى الانتحار. وقد انتحر هو وزوجته بالفعل في مارس 1983.
وقد نشر كوستلر عام 1955 كتاباً بعنوان قافلة الديناصور يضم دراسة بعنوان « يهودا في مفترق الطرق » والتي أشار فيها إلى عدم صحة القول بوجود تراث حضاري يهودي مشترك. وفي كتابه القبيلة الثالثـة عشرة: إمبراطورية الخزر وميراثها (1976) يناقش كوستلر ظهور إمبراطورية الخزر اليهودية وما يسميه «الشتات الخزري». وقد أثار الكتاب ضجة في الأوساط اليهودية والصهيونية عند صدوره. فالكتاب يذهب إلى أن يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أهم وأكبر تَجمُّع يهودي في العالم، هم من نسل الخزر وبالتالي فهم مختلفون عرْقياً وثقافياً عن بقية يهود العالم وعن العبرانيين القدامى.
ومن ثم فإن كوستلر يهدم الاعتذاريات العرْقية والإثنية لنظرية الحقوق الصهيونية التي ترى أن فلسطين من حق اليهود بسبب أصولهم السامية، أو بسبب تماسكهم الثقافي عبر التاريخ والتفافهم حول فلسطين كمركز للهوية الثقافية اليهودية.
ويرى بعض دارسي تاريخ الأفكار أن كوستلر من كبار الكُتَّاب والمفكرين وأنه نجح في أن يتناول في كتاباته بعض أهم القضايا الفكرية في القرن العشرين من خلال رؤيته الواسعة (البانورامية) والثاقبة، ويرى البعض الآخر أنه مجرد ناقل للأفكار ومروج لها. بل ويرى البعض أن كتابه الإله الذي هوى قد كُتب بإيعاز من المخابرات الأمريكية. ومهما كان تقييم المرء لعبقرية كوستلر، فمن الصعب القول بأن البُعد اليهودي هو أهم أبعادها أو أن له مقدرة تفسيرية عالية.
جيكـوب كرايزر (1905-1969(Jacob Kreiser
جنرال سوفيتي يُصنَّف أحياناً باعتباره يهودياً، وأحد أبطال الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفيتي. كان والده جندياً يهودياً ممن جُنِّدوا في الخدمة العسكرية تجنيداً إجبارياً لفترة طويلة في سن مبكرة واعتنقوا المسيحية إبان فترة الخدمة. وقد انضم كرايزر في سن مبكرة إلى الجيش الأحمر وتدرَّج سريعاً في صفوفه ليصبح جنرالاً في سن الحادية والثلاثين. وخلال الحرب العالمية الثانية، تولى قيادة فرقة مشاة البروليتاريا التي تميَّزت في دفاعها عن موسكو، وهو ما أكسبه لقب «بطل الاتحاد السوفيتي». وقد خدم كرايزر بعد ذلك في عدد من المواقع المهمة خلال الحرب، وتولى قيادة الجيوش السوفيتية في عدد من الجبهات، وساهم في تدمير القوات الألمانية في غرب أوكرانيا، وفي تحرير شبه جزيرة القرم ودول البلطيق. وقد أدَّى قيام ضابط يهودي بتحرير القرم إلى تسليط الضوء على مسألة تأسيس جمهورية يهودية ذات حكم ذاتي في القرم والتي كانت تخطط لها الحكومة السوفيتية لتحل محل مشروع بيروبيجان الفاشل. وقد كانت اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية، والتي كان كرايزر عضواً بها، من المؤيدين لهذا المشروع الذي لم يسفر عن أي شيء في نهاية الأمر.
ومع انتهاء الحرب، كان كرايزر قد حصل على أعلى الرتب في الجيش السوفيتي واكتسب مكانة وسمعة واسعتين، ولكنه جُرِّدَ من منصبه خلال فترة الإرهاب الستاليني بعد أن رفض التوقيع على خطاب نُشر في صحيفـة البرافدا ينفي وجود معـاداة لليهـود في الاتحـاد السوفيتي. وبعد وفاة ستالين، أعيدت له قيادته، وعُيِّن عام 1962 نائباً في مجلس السوفييت الأعلى. ثم تولى كرايزر القيادة في منطقة الشرق الأقصى، وهي منطقة حدودية ذات أهمية خاصة، وظل يشغل منصبه حتى وفاته.
ويمثل كرايزر نموذجاً متكرراً في أوساط العسكريين السوفييت اليهود، وإن لم ينتبه إليه الكثيرون، وهو نموذج يعود إلى أيام تروتسكي مؤسس الجيش الأحمر والذي فتح المجال أمام أعضاء الأقليات للانخراط في صفوف هذا الجيش الجديد، الذي كان يدعم نظاماً يدعو إلى تجريم أشكال التمييز العنصري والإثني (وضمن ذلك العداء لليهود). وقد انخرطت أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية بنسبة تزيد عن نسبتهم على المستوى القومي. وكانت هناك نسبة عالية من اليهود في القيادة العليا للجيش السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية. ولكن يُلاحَظ أنه جرى العمل على إحالة أعداد كبيرة منهم إلى التقاعد.
المفضلات