وقد تزامنذلك مع تغيُّر فنون الحرب وأدواتها، إذ ظهرت العربات الحربية والأحصنة. وكانالمجتمع العبراني، قبل ظهور الملكية، مكوناً من ثلاث طبقات:
أ) طبقةأرستقراطية حضرية تضم في صفوفها كبار الملاك الذين يعيشون من ريع ضياعهم.
ب) طبقة الجماهير (يستخدم فيبر الكلمة اللاتينية «بلبز plebs») التي تضمالفلاحين الذين كانوا يتمتعون بقدر من الاستقلال الاقتصادي في بادئ الأمر قبل أنتتدهور أحوالهم فيما بعد، كما كانت تضم الحرفيين والرعاة.
جـ) طبقة البدوالرحل.
وقد قامت الملكية بضم الأرستقراطية الحضرية إلى صفوفها وحولتها إلىنخبة حاكمة مع الكهنة والأرستقراطية العسكرية التي كوَّنت طبقة الفرسـان، وحل كهـنةالبـلاط المدربون محل أنبياء الحرب. وكل هذا يعني ظهور طبقات سياسية وعسكرية ودينيةحاكمـة متخـصصة يتم تجنيد أعضـائها من شــريحة صغيرة من الســكان، وهو ما يعنياسـتبعاد القاعدة العريضة من الجماهير (بلبز). وقد أدَّى ذلك إلى اتساع الهوة بينطبقات المجتمع وإلى ظهــور عقيدتين ســياسيتين متصارعتين. فتبنَّى أعضاء النخبةالحاكمة، بثقتهم الزائدة في أنفسهم، سيكولوجيا الفرسان (الحلولية). كما أن اعتمادهمعلى ريع ضياعهم جعلهم يتبنون عبادة إله الخصب بعل (الحلولية) الذي كان يحكم الناستماماً كما يحكم الإقطاعي أقنانه وفلاحيه.
أما الجماهير، فقد ازدادارتباطها بالماضي البدوي البسيط وبُمثله العليا وبعبادة يهوه. وقد قامت طبقةالمثقفين الذين لم يجدوا مكاناً لأنفسهم في الهيكل السياسي الملكي الجديد بقيادةهذه الجماهير، كما أن هؤلاء المثقفين هم الذين عمَّقوا وطوَّروا ديانة يهوه. وكانتالقضية الأساسية التي واجهوها هي قضية العدالة الإلهية (إذ كيف يمكن تفسير بؤسالجماهير؟)، فقاموا بتطوير العقيدة على أسس عقلانية للإجابة عن هذا السؤال بطريقةتلائم نفسية الجماهير وحسها الديني وتطلعها إلى توضيح الأمور بالنسبة لمصيرهاوحلمها بمستقبل مزهر. ومن هنا، كان الإيمان بأن يهوه يتصرف ككائن عاقل يمكنه أنيُغيِّر قراراته. ويصبح أساس هذه الرؤية هو أن يحاول الإنسان أن يكتشف إرادة يهوهوتعاليمه وأن يكشفها للجماهير حتى يمكنها أن تحيا حسب هذه التعاليم، وبالتالي يمكنالتأثير في يهوه ليغيِّر قراراته ولينقذ المؤمنين به من البؤس السياسي والاجتماعي.
وقد ورث الأنبياء تراث اللاويين وأنبياء الحروب (القضاة)، فحاولوا كأسلافهماكتشاف إرادة يهوه وتحاشوا الطقوس السحرية. والنبي، بحسب تعريف فيبر، هو «إيشهارواح»، وهي عبارة عبرية تعني «رجل الروح». ويضيف فيبر إلى هذه العبارة كلمة «عقلانية» ليصبح النبي هو «رجل الروح العقلانية»، أي المعادي للسحر والمنتمي إلىدعاة الترشيد، وهو أيضاً رجل جماهير («ديماجوج» أي «مهيج»). وربط الأنبياء فكرةالعهد أو الميثاق مع يهوه برؤيتهم للمستقبل وللحرية النهائية لأعضاء جماعة يسرائيل،وكانوا يتصورون أن يهوه سيدخل مستقبلاً في ميثاق لا مع جماعة يسرائيل وحسب بل ومعأعدائها ومع كل الشعوب، وحتى مع المملكة الحيوانية. ويرى فيبر أن إسهام الأنبياءيتلخص في أنهم عمَّقوا عقلانية مفهوم يهوه فربطوا بينه وبين الجماهير، وجعلوا منيهوه إلهاً للعالمين، وبذا حققوا الانتصار النهائي لعملية الترشيد التوحيدي علىالعناصر السحرية.
وقد ورث الفريسيون تراث الأنبياء، وكانوا يمثلون طبقةالبورجوازية الصغيرة، خصوصاً الحرفيين، ومن هنا جاء التوجه العملي لعقيدتهم. وكانتشرعية الفريسيين لا تستند إلى أية أعمال سحرية وإنما إلى التوراة، أي إلى تعاليمالخالق. وقد سيطرت رؤيتهم على اليهود في شتاتهم، أي في انتشارهم، بحيث أصبح نشاطاليهود الفكري الأساسي هو دراسة التوراة. إن هذه الرؤية لابد أن تكون معادية للسحرولعبادة بعل الحلولية المرتبطة بالسحر والطقوس الجنسية والقرابين البشرية، فهي رؤيةتؤدي إلى ترشيد عملية الخلاص بحيث لا يتم بطريقة عشوائية عن طريق إرضاء الإلهبالقرابين والتعاويذ كلما ظهرت الحاجة، وبلا منطق أخلاقي واضح وبالوسائل السحرية،وإنما يتم بطريقة منهجية منظمة عن طريق العمل الصالح (في الدنيا) وضبط النفس واتباعالمُثُل الأخلاقية والتعامل مع الذات ومع الواقع وإخضاع الذات والعالم لقانون الإلهالواحد بطرق متكاملة لا تترك أية تفاصيل خارج نطاق عملية الخلاص المنهجية، بحيثيقوم المؤمن بإخضاع نسق حياته بكل تفاصيله لقواعد خارجية فيكافئه الإله العادل علىأفعاله. وتؤكد هذه الرؤية أيضاً تزايد تحكم الإنسان في مصيره وفي بيئته وتركُّزالاهتمام على هذه الدنيا. ولذا، فإن الخلاص لا يتم عن طريق الشطحات الصوفيةوالانسحاب من الدنيا وإنما بإطاعة قانون الإله وتسخير الذات والواقع في خدمته بشكلمنهجي، ومن ثم ظهرت روح الإنجاز بين اليهود إذ توجد علاقة وثيقة بين الرغبة فيالتحكم وروح الإنجاز. ومع تزايد التحكم وروح الإنجاز، يزداد التوجه إلى المستقبلوالتركيز عليه.
كل هذه العناصر هي، في نظر فيبر، أشكال من ترشيد علاقةالخالق بالمخلوق. ومع أن هذا الترشيد يتم في إطار ديني، فهو ترشيد تقليدي متوجه نحوالقيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، إلا أن الصيغة المنهجية التي يتمبها هي بمثابة إعداد نفسي للإنسان والمجتمع يخلق تبادلاً اختيارياً أو قابليةللترشيد العلماني الحديث (وهو ترشيد إجرائي يتم خارج إطار أية مطلقات معرفية أوأخلاقية في مرحلة تاريخية لاحقة). فإخضاع الحياة الدينية لمنهج متسق أدَّى إلىاستبعاد الطرق الارتجالية للتحكم؛ مثل السحر والأشكال البدائية للتنبؤ. فحل النبيمحل الساحر، ثم استمرت العملية حتى حل البيروقراطي الحديث محل الجميع (وهذا هو مايسميه فيبر «نزع السحر عن العالم»)، أي أن اليهودية (باعتبارها ديانة توحيدية) دعمتالاتجاه نحو الترشيد في الحضارة الغربية (ومن ثم الحضارة الحديثة بشكل عام).
الجدير بالذكر أن فيبر يشير إلى أن اليهودية لم تكمل العملية الترشيديةنظراً لظهور عقائد غير رشيدة داخل اليهودية. فالأنبياء أكدوا أن الإله هو إلهالعالمين، ولكنهم مع هذا أكدوا أيضاً أن جماعة يسرائيل هي وحدها شعبه المختار، وأنكل الشعوب الأخرى ليست إلا وسيلة لتحقيق غايته، أي أن يهوه أصبح إلهاً عالمياً وإلهشعب يسرائيل في آن واحد. وقد فُسِّر هذا التناقض على أساس أن يهوه هو رب العالمينحقاً بمقدار دخوله في ميثاق أو عهد مع شعب يسرائيل وحده.
وبهذا، أصبح أعضاءجماعة يسرائيل هم الشعب المختار. ولكنهم حينما أصبحوا فيما بعد شعباً منبوذاً ليسلهم أي استقلال سياسي، بدأوا في تفسير هذا المفهوم تفسيراً جديداً. فهذا الشعبالمختار المنبوذ بوسعه، من خلال المعاناة والإيمان بالخالق، أن يصبح مخلّصاًللإنسانية جمعاء، وبذا أصبح الشعب منبوذاً لأنه مختار، بل أصبح النبذ هو أكبر شاهدعلى اختياره.
وقد واكب ذلك ظهور الأخلاقيات المزدوجة التي تعنيوجود مقياس للحكم على الشعب مختلف عن ذاك الذي يُستخدَم للحكم على الشعوب الأخرى. ثم قام عزرا ونحميا بتشديد قبضة الشعائر على اليهود وقويا دعائم الجيتو الداخلي،وبذا بدأ الشعب اليهودي في عزل نفسه طواعية عن بقية الشعوب. وهذه الأفكار (خصوصيةيهوه ـ الشعب المختار ـ الأخلاقيات المزدوجة ـ العزلة الشعائرية) تتنافى مع عمليةالترشيد، تلك العملية التي قام بها، وبشكل كامل، المسيحيون البروتستانت وليساليهود. ولكن فيبر يذهب، مع هذا، إلى أن اليهودية ساهمت بشكل أكيد في توليد عمليةالترشيد، وأن المسيحية الغربية ورثت هذه العناصر الرشيدة والترشيدية من العقيدةاليهودية، ثم قامت بتطويرها ووصلت بهذا التطوير إلى منتهاه: العلمنة الكاملةللمجتمع.
ويتفق بيتر برجر مع ماكس فيبر في أن اليهودية لعبت دوراً فيعمـلية الترشيد، ولكنه ينسب لها أهمية أكبر من تلك التي ينسبها لها فيبر. ولتوضيحهذه النقطة يُعرِّف برجر العلمنة بأنها « استقلال مجالات مختلفة من النشاط الإنسانيعن سيادة المؤسسات الدينية ورموزها »، أيانحسار القداسة عن الدنيا بشكل تدريجينتيجة لتزايد ترشيد العالم. ويشير برجر إلى أن ثمة واحدية كونية (بالإنجليزية: كوزميك مونيزم cosmic monism) تسم العبادات المصرية والشرقية القديمة التي تنطلق منالإيمان بأنه لا يوجد فارق كبير بين عالم الطبيعة والإنسان من جهة وعالم الآلهة منجهة أخرى، إذ يحل الإله في الإنسان والطبيعة ويوحِّد بينهما (المرجعية الكمونية). ويرى برجر أن اليهودية تختلف عن الرؤى الكونية الوثنية (التي تتسم بالحلوليةالكمونية) والتي سادت الحضارات المجاورة، وأن نقط الاختلاف هي نفسها التي جعلتاليهودية تلعب دوراً مهماً في ترشيد الواقع ومن ثم في ظهور العلمانية:
المفضلات